“خالتي أم عبير”

وَسَط شوارع القاهرة المزدحمة بالناس و أشباههم، بين فتّات الحياه القديمة، و بواقي الأيام الصفراء المُعتّقة برائحة الأغراب، تنبعث خيوط العراقة و الأصل الطيّب من وجهٍ و عينين، و يختبئ تاريخ بلدٍ بأكمله داخل العروق الجافّة من أَثَر العطش، و يتوارى خِذلان العالم وراء طبقات الجلد المُحمَّلة بالأقدار البائسة، لتسقط على غفلةٍ منه مع قطرات العَرَق اليوميّ فيشهد عليه الهواء المُندَّى بها، و الذي نتجاهله صباح كُلِّ يوم، حين تبدأ هي عمَلَها، تلك السيدة السمراء، ذات الوجه الباسم، و العينين المُبللّتين دوماً بالحياه و مُرِّها، و بالدمع الشفاف المنزلق بانسيابية عبر خنادق فتحها الزمن داخل رُوحها الصامدة. السيدة ذات الخاتم الأزرق المُميّز الذي يَنُمُّ عن أنوثةٍ ذاهبة، و رُوح فتاةٍ أبيّة تُميّز الجمال و تحتفظ بذيوله..

تنظر إليَّ و تبتسم من بعيد، فأبتسم لها، ثمّ سؤالٌ فضوليّ مني يفتح حواراً لم يكن مقصوداً من الطرفين، و لكنه دار بانسيابية الاحتياج التي تدير أغلب تصرفاتنا العفوية ..

“*إزيك يا حجة، أومال إيه المكان دا ؟

– قعدة كدا بييجوا يقعدوا هنا الشباب و الناس الحلوين، ادخلي في بنات بتعد جوا عادي و يشربوا حاجات، انت مكسوفة علشان لوحدك؟

طب دا ديك النهار كان في عروسة اتصورت هنا، كانت حلوة حلاوة ! ربنا يحميها، عقبالك انت كمان ..

*ممكن أصورك يا حجة ؟

– إلا قوليلي يا بنتي، ليه الناس بتيجي تصورنا، هم بينزلوا صورتنا عالبتاع اللي اسمه نت بتاعكم دا ؟

أصل أنا اتصورت قبل كدا، تلاقيكي شفتيني عالتليفزيون بردو، جاتني واحدة معاها بنتها و قالتلي دا شغل و بياخدوا درجات عليه و كدا، ربنا يكرمكم يا رب.

يللا صوريني ..

*اضحكي يا حجة

– طب مش تروحوا تصورا البنات الحلوا، بتيجوا تصوروا العواجيز ليه ؟

* أنت أجمل بكتير يا حجة.

– أنا ؟ دنا عندي ٧٢ سنة ! -بنظرة أسى شديدة- دا غير الهمّ اللي مبهدلني ..

طبعا هتسأليني ليه بتشتغلي لحد دلوقتي، الناس بيسألوني السؤال دا كتير، هو حد بيشتغل إلا إذا كان محتاج يا بنتي ؟!

أنا إبني على قد حاله، و عنده خمس عيال، و بناته عايزين يسيبوا المدارس و يشتغلوا -بتمسح دموعها- و أنا قلتلهم على الله طول منا عايشة أبدا ما تسيبوا تعليمكم و تشتغلوا !

و إبني التاني.. في السجن، آه في السجن، نجّار غلبان كان راجع من شغله و واقف عالطريق مستني عربية من العربيات اللي بتيجي تحمل الناس، و .. جُمْ خدوه.

خدوه من عالطريق بالليل و هو معاه عدّة النجارة يا بنتي و الله، و لفّقوله قضيتين، قضية إنه ضرب عليهم نار، و قضية إنه معاه حشيش، و إحنا غلابة مش لاقيين اللقمة !

و هو حلفلي عالمصحف، أصله بيقرأ قرآن كتير و بيصلّي، قاللي : يا أمي، و القرآن، و القرآن يا أمي ما كان معايا جنيه أركب ! – و بتمسح دموعها –

و باخدله الزيارات و بيقولي كل مرة انت بتجيبي الحاجات دي منين ..

و هو يا بنتي عنده خمس عيال، و مراته شغالة بتبيع فول و طعمية، هنعمل إيه طيب ؟

و عندي بنتين، عقبالك، متجوزين ربنا يكرمهم على قد حالهم بردو، بس الحمد لله، ربنا كبير.

تعرفي ؟ أنا اشتغلت في كل حتة، أنا من المنوفية، اشتغلت في البحيرة، و في الشرقية، و في الغربية، و الأسكندرية، و ضهري اتقطم من شغل البيوت، كنت بشتغل في البيوت آه، و بعد كدا جيت اشتغلت هنا.

عارفة ؟ -بنظرة إصرار و اعتزاز- أنا كنت مضفّرة شوالين من القماش التقيل اللي محدش يقدر يشيلهم دلوقتي، كنت بحطهم و أملاهم خضار، و أجيب شوالين تاني، و أملاهم بردو، و أخلي أربع رجالة يرفعوهم على راسي، و أقولّهم خلاص سيبوهم ملكوش دعوا، و كنت بجيب شوال مليان ب ١٠٠ جنيه عيش، و أعلقله حبل و أشيله على كتفي، كنت بكسب ربع جنيه على كل جنيه..

تعبت، الهمّ يا بنتي، الناس كلها مهمومة، أنا مش عايزة بس غير ربنا يكرمني و آخرتي تبقى حلوا، تعبت أوي ..

قعد أعمى 20 سنة، و بعد كدا أمرربنا نفذ، مات ييجي من ١٥،  ٢٠ سنة كدا، أمر ربنا لما بينفذ خلاص، بتخلص كل حاجة.

بنت بنتي بتسألني بتشتغلي ليه.. دا سؤال بردو تسألهولي ؟

-بتمسح دموعها-

معلش يا بنتي همّيتك معايا.

*الدنيا كلها هموم يا حجة، ربنا كبير و هيقويكي، و هيديكي في أولاد ولادك و هشوفيهم أحسن ناس ..

– يا رب يا بنتي و ما يحوجهم لحد أبدا، الناس بتقولي ربّنا يرزقك بالحج، قلتلهم ما هو اللي أنا بعمله دا زي الحج، مش كدا ولا إيه، و يمكن أحسن كمان، هنعد نمنّي نفسنا بحج و إحنا ما عارفين نطول لقمتنا ؟ هجيب مصاريف الحج منين أنا !

– عارفة يا بنتي -بتعيط- -بتعيط- أنا ببقى نغسي أجيب نص كيلو العنب، ولا نص كيلو اللحمة أعمله للعيال أو ليّا، و مبقدرش، أنا تعبانة و محتاجة أتقوى، و حتى المفروض أعمل عملية في عيني و معايا اسم العملية في ورقة، بس هعملها إزاي يعني ! الحمد لله.

أنا آسفة يا بنتي -بتمسح دموعها- موقفاكي و بحكيلك ..أنت زي بنت بنتي أو ابني، ربنا يدأنا آسفة يا بنتي -بتمسح دموعها- موقفاكي و بحكيلك ..أنت زي بنت بنتي أو ابني، ربنا يديكوا كلكوا، أدعيلك بإيه ؟ ربنا يخلّي حياتك جميلة و خفيفة، و ميحوجكيش لحد أبدا،ً أبداً.

يللا أنا معطلاكي أنا هروح أكمل شغل ..”

 

خِفِّي أيتُها الحياه، رِفقاً ببشرٍ أغرقهم جفافك داخل جسدٍ لا يزيد عمقه عن المترين، و أنهكتهم نبضات الزمن المستمرة حتى الموت، لم يكن لهم ذنبٌ سوى أرضٍ ارتوت بالدماء و تركت العَرَق الأسمر الطيّب يتَبَخّر إلى أن أثقلَ الهواء على أرواحنا، و لم نعد نتنفس كما كنّا، و متنا أحياءً تجري فينا الدماء، كأشباه البشر.

20160905155934_img_2374

Share the joy
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *